حقائق عن القولون العصبي

نظراً لمعاناة أكثر من 10 % من سكان العالم من متلازمة القولون العصبي بالإضافة إلى العديد من الحالات التي لم يتم تشخيصها فقد حان الوقت لتسليط الضوء على هذا  المرض الذي يسبب الألم أو يكون مصدر إزعاجٍ في البطن أو كليهما لكثير من الناس.

يوجد عدد من الحقائق لا بدّ من معرفتها. تعرف على أحدث ما توصلت إليه الأبحاث حول القولون العصبي (Irritable Bowel Syndrome).

إن متلازمة القولون العصبي عبارة عن اضطراب معدي معوي ذو انتشار واسع ويصيب حوالي 12 بالمئة من إجمالي سكان الولايات المتحدة؛  يمكن أن يكون عبئا كبيرا على الأشخاص المصابين به.

تتضمن الأعراض الرئيسية لمتلازمة القولون العصبي كل من آلام البطن والتشنجات وزيادة الغازات الزائدة والشعور بالنفخة واختلاف عادات الأمعاء بالإضافة إلى عدد من الأمور الأخرى.

وتُعدُ كل من التغيّرات الهرمونية والطعام والتوتر من المحفزات الشائعة لهذا المرض رغم أن القولون العصبي يؤثر على كل شخص ولكن بطريقة مختلفة؛ إذ يمكن أن يكون القولون العصبي بالنسبة لبعض الأشخاص سبباً للشعور بالضعف والوهن بينما يعاني البعض الآخر من أعراض خفيفة أو متوسطة فقط.

لا أحد يعرف في الوقت الحاضر ما هو سبب الإصابة بالقولون العصبي؛ ونتيجة ذلك يمكن أن يكون تشخيصه أمراً صعباً ولا تحقق خيارات العلاج النتائج المرجوّة.

وبالرغم من وجود بضعة أشياء محددة ومعروفة بزيادتها لاحتمال الإصابة بالقولون العصبي – مثل أن يكون أحد أفراد العائلة له سجل مرضي يتضمن الإصابة بالقولون العصبي وأن يكون الشخص بعمر تحت سن 45 عاماً كما أن المرض يصيب النساء أكثر من الرجال- إلا أن البحث قد بدأ ولو بشكلٍ بطيء في إزالة الجهل والضبابيّة المحيطة بمرض القولون العصبي.

سوف نتعمق في نتائج البحث الأحدث ضمن هذه المقالة وسنقدم لك أهم خمس حقائق (عبر جزئين) ينبغي معرفتها بخصوص متلازمة القولون العصبي:

نصف المرضى المصابين بالقولون العصبي فقط يتلقّون الرعاية الطبية:

وفقاً لما ذكره البروفيسور بول إنك – رئيس قسم الأبحاث في قسم الطب النفسي الجسدي والعلاج النفسي في مستشفى توبينغن Tübingen الجامعي في ألمانيا- في مقال تم نشره في مجلة Nature Reviews Diseases Primers يتعايش الأشخاص مع القولون العصبي في جميع أنحاء العالم بمعدل وسطي يبلغ ​​ 11.2 في المئة من عدد سكان العالم ؛ ومع ذلك, فإن هذا المتوسط ​​غير دقيق وينحرف أحياناً بسبب نقص البيانات المتاحة ضمن العديد من البلدان في كل من أفريقيا وآسيا. وحقيقةً يختلف معدل الإصابة بالقولون العصبي في البلدان بشكل كبير وفقاً لحالة كل بلد على حدة؛ حيث تتراوح المعدلات من 1 في المئة إلى 45 في المئة.

وتأتي في المرتبة الأعلى من المقياس المكسيك بنسبة 40 في المئة وتليها أيسلندا بمعدل وسطي  30.9 في المئة من السكان ومن ثمّ باكستان مع 30.5 في المئة بينما تحتل كندا ترتيباً في مكان يقع  في الوسط بنسبة  15.7 بالمئة.

وبالرغم من إصابة ملايين الأشخاص بهذا المرض لا يذهب سوى نصف المصابين بأعراض القولون العصبي إلى أخصائيي الرعاية الصحية طلباً للمساعدة الطبية.

يقول البروفيسور بول إنك Paul Enck: “سوف يقوم معظم هؤلاء المرضى في البداية باستشارة أطباء الرعاية الأولية بخصوص ما يتعلق بالأعراض التي تصيبهم, وأبرز العوامل التي تدفعهم إلى هذه الاستشارة هي شدة الأعراض,وخاصةً الألم وظهور أعراض التوتر والمخاوف من أن الأعراض يمكن أن تكون إشارة إلى وجود مرض خطير كامن – السرطان على سبيل المثال.”

ويشرح البروفيسور فيليب س. شونفيلد Philip S. Schoenfeld- مدير برنامج التدريب على علم الوبائيات المعدي في كلية الطب بجامعة ميشيغان آن أربور – في مقال في مجلة أمراض الجهاز الهضمي والكبد Journal Gastroenterology & Hepatology أن المرضى ينتظرون غالباً لمدة تُقارب الأربع سنوات قبل أن يتم تشخيص إصابتهم بالقولون العصبي؛ ويضيف قائلاً: “يبقى العلاج غير مُرضٍ لمعظم المرضى”.

علاقة ارتباط بين القولون العصبي مع الدماغ

يعاني ما يقدر بنحو 20 في المئة من المصابين بالقولون العصبي من أعراض الاضطرابات المعدية المعوية الأخرى؛ وتتضمن القائمة وفقاً للبروفيسور بول إنك كلاً مما يلي:

  • عُسرُ الهضم الوظيفي.
  • حرقة المعدة.
  • الارتجاع المعدي المريئي.
  • الإسهال .
  • سلس البول.
  • الإمساك.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد إذ تترافق كل من المتلازمات التالية من مع القولون العصبي:

  • فرط نشاط المثانة.
  • متلازمة ما قبل الحيض.
  • الخلل الوظيفي الجنسي.
  • متلازمة الوهن المزمن (CFS).
  • الصداع النصفي.
  • اضطرابات التغذية.

وكذلك يوضح البروفيسور بول إنك أن الأشخاص الذين يعانون من متلازمة القولون العصبي لديهم أيضاً معدلات إصابة أعلى بالحالات المرضية النفسية مثل القلق والاكتئاب والعُصابيّة مقارنةً بالأشخاص الذين لا يعانون من متلازمة القولون العصبي.

ولكن ما هو تفسير الترابط بين اضطراب الجهاز الهضمي والدماغ؟

ترتبط أدمغتنا وأمعاؤنا وفقاً لطريقة معقدة؛ إذ يؤثر الدماغ على حركة الطعام عبر تأثيره على عمل الجهاز الهضمي وعلى الجهاز المناعي في الجسم وعلى تركيبة ميكروبات الأمعاء. ومن جهة أخرى تؤثر التغييرات في الأمعاء أيضاً على التغييرات في بنية الدماغ.

ووفقاً للبروفيسور بول إنك فإن “السؤال الكبير الذي يبقى مطروحاً هنا’ أي جزء من الجسم يُعتبر الدجاجة وأي جزء يُعتبر البيضة؟ “بالرغم من أن النتائج البحثية قد حددت وجود تغيرات في الدماغ ذات صلة بالمرض لدى المرضى الذين يعانون من القولون العصبي؛ هناك حاجة لدراسات ميكانيكية وطولانيّة لتحديد العلاقة السببيّة بين هذه العوامل “.

الإصابة بالتهاب المعدة والأمعاء قد يؤدي لمتلازمة القولون العصبي

يوضح البروفيسور غاي إ. بوكستاينز Guy E. Boeckxstaens – من مركز الأبحاث والترجمة لاضطرابات الجهاز الهضمي في جامعة لوفين في بلجيكا – ضمن مقالٍ حديث في Scientific Reports أن “حوالي 36 بالمئة من المرضى المصابين بالتهاب المعدة والأمعاء قد يتطوّر لديهم المرض إلى ما يُدعى حالة القولون العصبي ما بعد العدوى “(PI-IBS).

ومن أجل دراستهم, قام البروفيسور بوكستاينز وزملاؤه بفحص أمعاء الأفراد المصابين بقولون ما بعد العدوى العصبي الذين تطورت لديهم الحالة بعد شربهم لمياه شرب ملوثة؛ توقع الفريق العثور على مستويات منخفضة من الالتهاب – بناءً على العمل السابق الذي قام به باحثون آخرون- من مخلفات محاربة الجسم لالتهاب المعدة والأمعاء ويعتقد أن ذلك هو سبب الشعور بالألم – في مواضيع دراستهم”.

وقال البروفيسور بوكستاينز: “لدهشتنا؛ لم نجد أي دليل على وجود التهاب منخفض الدرجة في أمعاء هؤلاء المرضى؛ ومع ذلك فقد وجدنا دليلاً واضحاً على التحسّس العصبي لدى المرضى المصابين بقولون ما بعد العدوى العصبي وكذلك وجدنا ما يؤكد التحول في البيئة الدقيقة للأمعاء إلى بيئة مستقبلة لللأذيّة “.

يعتقد الفريق أن سبب الألم المستمر الذي يعاني منه الأفراد الذين يعانون من قولون ما بعد العدوى العصبي يرجع إلى تحسّس أعصاب الألم الموجودة ضمن بيئة الأمعاء؛ حيث يلقي هذا الاكتشاف الضوء على كيفية تطور الألم وكذلك يقترح أيضاً طريقة جديدة لعلاج الحالة كما يختتم البروفيسور بوكستاينز الذي يقول: “يمكن ان يمثّل احتجاز مستقبلات الهستامين علاجاً مُسكناً جديداً لهؤلاء المرضى.”

يوجد علاقة كبيرة جداً لميكروبيوم الأمعاء بمرض القولون العصبي

 

مع توصل الباحثين إلى التأكد من وجود تريليونات الكائنات الحية الدقيقة والتي تعيش في الأمعاء بدأنا بشكل متزايد في تقدير الدور الذي تلعبه هذه الميكروبات وتأثيرها على صحة الإنسان؛ وفي وقتٍ سابقً خلال هذا العام أعلن بعض الباحثين بأنهم قاموا بزرع بكتيريا الأمعاء من الأشخاص الذين يعانون من الإصابة بالقولون العصبي إلى الفئران؛ ونتيجةً لما سبق فقد ظهرت على الفئران أعراض القولون العصبي؛ ومن الجدير للذكر أن الفئران التي تلقت أحياءً دقيقة من ميكروبيوم أمعاء مرضى القولون العصبي والقلق أظهرت أيضاً أعراضاً سلوكية مشابهة للقلق.

في دراسة منفصلة, قام الباحثون بتحليل تركيبة الكائنات الحية الدقيقة من أمعاء الأشخاص الذين يعانون من متلازمة التعب المزمن وبعضهم مصاب أيضاً بمتلازمة القولون العصبي في حين كان يوجد أيضاً قسم آخر لم يكن لديهم إصابة بالقولون العصبي؛ ووجدوا بيئات ميكروبية مميزة سمحت لهم بالتمييز بين هاتين المجموعتين من الأفراد من الأشخاص الخاضعين للقياس مع مجموعة بدون حالة متلازمة التعب المزمن وبدون متلازمة القولون العصبي.

إن فهماً أشمل لكيفيّة مساهمة مجتمع الكائنات الحية الدقيقة الموجودة في الأمعاء في الفيزيولوجيا المرضية لحالة متلازمة القولون العصبي سيساعد على فهم الحالة بشكل أفضل بما يسمح للعلماء بتطوير وتصميم علاجات خاصةً بتحسين صحة الأمعاء.

وبالرغم مما سبق وكما يشير البروفيسور إنك فإن “التوقيع المميز الميكروبي الحيوي (بالنسبة للأنواع المتواجدة) مستقر للغاية.” ولذلك فقد يكون إجراء تعديلات جذرية على البيئة الميكروبية في الأمعاء أمراً صعباً؛ إلا أن التغييرات في النظام الغذائي يمكن أن تؤدي بالتأكيد إلى تحسن حالة الأعراض لدى بعض الأشخاص المصابين بالقولون العصبي؛  ورغم كل ذلك فقد تبين أن بعض افتراضاتنا عن الطعام و القولون العصبي كانت خاطئة.

يتم توجيه اللوم إلى بعض الأطعمة وهذا غير ضروري

يُعتبر الطعام مُحفزاً شائعاً جداً لأعراض القولون العصبي إلا أن سبب هذه الظاهرة يبقى مجهولاً؛ يفترض الباحثون بأن السبب في هذه العلاقة  يتلخص بالاستجابة الفسيولوجية المبالغ فيها لتناول الطعام من قبل الأمعاء تجاه مركبات الطعام التي تؤدي إلى أعراض نفسية أو التفاعل بين الطعام وميكروبات الأمعاء؛ ومع ذلك, تظهر متلازمة القولون العصبي بشكل مختلف في كل شخص, وتميل الأطعمة المدرجة ضمن قوائم الأطعمة “المحظورة” إلى الاختلاف وفقاً لذلك؛ بالإضافة إلى ذلك فإن حقيقة وضع اللوم على عنصر غذائي معين لا يعني بالضرورة أن هذا المكون الغذائي هو الذي يسبب ظهور الأعراض”.

ويقول البروفيسور بول إنك: ” على الرغم من أن المرضى الذين يعانون من القولون العصبي يقومون بإلقاء اللوم بسهولة على مواد غذائية معينة مثل تلك التي من المرجح أن تسبب الأعراض المفاجئة؛ ولكن يتم تحديد ما تتراوح نسبته من 11- 27 في المئة فقط من هذه الأغذية بشكل صحيح عند التأكيد عليها بشكل رسمي ضمن الدراسات الحيادية المختصة بالطعام”.

ويعتبر هذا الأمر غير مريح بالنسبة لأولئك الذين يعانون من القولون العصبي؛ ولكن لا يزال هناك أمل, إذ أن إجراء المزيد من الأبحاث سيوفر فهماً أفضل للأطعمة التي يجب تجنبها. ويوضح البروفيسور إنك: “على الرغم من محدودية الأغذية المسموح بتناولها ضمن نظام غذائي معين وتقييم إمكانية إعادة الإنتاج للأطعمة المسجلة على أنها تسبب حساسية  مفرطة’ فقد تم الإبلاغ عن بعض المواد الغذائية على أنها أكثر تسبباً بالمشاكل الصحية مثل: القمح والفواكه والخضروات”.

من المؤكد بأن التعايش مع متلازمة القولون العصبي يمكن ان يكون أمراً صعباً, سواءً كنت قد تلقيت بالفعل تشخيصاً طبيّاً أو بدأت للتو بالبحث عن ما قد يسبب ظهور أعراض تشبه أعراض القولون العصبي.