الأمراض الجلدية

الهربس أو الحلأ البسيط

فايروس الهربس أو الحلأ البسيط Herpes simplex infections هو فايروس يصيب بشكل بدئي السطوح المخاطية أو الجلد المتأذي، ويدخل العصبونات الجلدية ومن ثم يهاجر على طول المحاور العصبية إلى العقد الحسية حيث يتم انتساخ الفيروسات في هذه العقد، ومن ثم تتحرك الفيروسات عبر المحاور لتصل إلى الخلايا الظهارية وتخربها. وفي الولدان وناقصي المناعة يستمر الانتساخ وينتشر للأعضاء كافة.

يحدث الكمون ضمن العصبونات، حيث تتم المحافظة على الفيروسات التي تتعرض لانتساخ فعال في فترات مختلفة وتحرضها أحداث غير محددة. وعلى الرغم من أن شفاء الخمج البدئي يترافق بإنتاج الأضداد استجابة للخمج، وأن الأضداد الوالدية التي تعبر المشيمة قد تقي المريض من الأخماج في فترة الوليد، إلا أن هذه الأضداد لا تمنع عودة تفعيل المرض.


العامل المسبب

فيروسات الحلأ البسيط HSV ذات حمض نووي DNA مضاعف الطاق، من العوامل واسعة الانتشار عند الإنسان، ويمكن التمييز بين نمطين:

الأول HSV-1: يصيب بشكل رئيس الفم والشفتين والعينين والجملة العصبية وقلما يصيب الجهاز التناسلي.

الثاني HSV-2: يصيب غالباً المنطقة التناسلية ويسبب الخمج عند الوليد، وقلما يصيب الفم.

 

الخمج الأولي:

يحدث الخمج الأولي في الأشخاص غير الممنعين والذين لم يتعرضوا سابقا للخمج مطلقاً. ويكون هذا الخمج غالباً غير عرضي، ولكن قد تحدث متلازمة سريرية نموذجية، ولكن في غالبية الأشخاص تمر الفيروسات إلى حالة كمون latency state. وإن عودة تفعيل الفيروسات الكامنة قد يسبب متلازمة سريرية وصفية من الأخماج الحلئية الراجعة.

إضافة إلى أن التعرض التالي لنمط ثان أو حتى سلالة ثانية للنمط نفسه قد تسبب عودة الخمج خارجي المنشأ.


الوبائيات

تدوم فترة الحضانة 2-12 يوماً مع معدل وسطي 6-7 أيام، و تكون نحو 95% من الأخماج غير عرضية. وقد يحدث تفش للإصابة في المؤسسات أو بين أفراد الأسرة. ويتطلب حدوث الخمج تماساً صميمياً (القبل، العناق، اللعاب،…) وتلقيح الأغشية المخاطية أو الجلد المتسحج بالعامل الممرض. ويصبح الرضع والأطفال الصغار عرضة للخمج بالـ HSV-1 بعد فقدان الأضداد المنتقلة عبر المشيمة، بينما تصبح الإصابة بالـ HSV-2 أكثر توارداً مع بدء مرحلة النشاط الجنسي وبخاصة بين أفراد الطبقة الاجتماعية الاقتصادية متدنية الدخل. نحو 2-5% تقريباً من الأشخاص الأصحاء يطرحون HSV في الإفرازات الفموية.


الإمراض

بشكل عام تتميز الموجودات التقليدية بوجود اشتمالات ضمن نووية وخلايا عرطلة متعددة النوى وتتطلب المناعة الفعالية المتواسطة بالخلايا التائية والأضداد المضادة للـ HSV.


التظاهرات السريرية

  • إصابة الجلد والأغشية المخاطية:

يعد الخمج الأولي للجلد شائعاً عند الولدان، وقد يؤدي التلقيح الذاتي من موقع لآخر لحدوث اندفاع حويصلي موضع على سطح حمامي. ويتم الشفاء الكامل خلال 7-14 يوماً. وتحدث الرجعة في الموقع نفسه. وتؤدي إصابة الإصبع لداحس فيروسي يدعى الداحس الحلئي وهو يتضمن احمراراً مؤلماً يرافقه في الغالب اندفاع حويصلي، ويحدث عادة عند الأطفال الذين يعتادون مص الإبهام وعض الأظافر، وعند الأطفال الأكبر سناً قد يصادف برفقة الحلأ النتاسلي. ويعد الجلد المتسحج أو المصاب بالحرق مؤهباً للخمج بالـHSV، و في هذه الحالة تكون الإصابة غير نموذجية غالباً وتسيطر القرحات. ويكتسب المصارعون الحلأ الجلدي من التماس الصميمي مع الأخماج الجلدية للخصم (حلأ المصارعين Herpes gladiatorum). وقد ترافقت الحمامى عديدة الأشكال مع الـ HSV  أيضاً.

  • إصابة الفم واللثة الحلئية الحادة:

هو أكثر التظاهرات السريرية شيوعاً  للخمج الأولي بالـ HSV عند الرضع والأطفال ما بعد مرحلة الوليد. ويحدث عادة لدى الأطفال بعمر 1-3 سنوات بشكل أكثر شيوعاً  رغم إمكانية حدوثه بأي عمر، ويكون البدء عادة فجائياً بألم في الفم وإلعاب ورائحة كريهة وعسر بلع وقهم وحمى. الآفة البدئية هي حويصل نادراً ما يشاهد بسبب تمزقه الباكر، وبالتالي تكون الآفة النموذجية متقرحة. ويصاب عادة البلعوم الفموي الأمامي وبشكل أقل الخلفي مع حدوث الإصابة في اللثة والمخاطية الفموية واللسان والشفتين وقد تمتد إلى جلد العنق والأنف نتيجة التلقيح الذاتي، ومن الشائع وجود ضخامة في العقد اللمفية تحت الفك، وتدوم الإصابة 7-14 يوماً. وعند المراهقين قد يحدث التهاب نضحي شديد في البلعوم كتظاهرة للخمج البدئي.

  • التهاب الفم الراجع:

هو نفاطة السخونة النموذجية التي تحدث في منطقة الوصل الجلدي المخاطي، وتمثل هذه الآفات رجعة الخمج الفموي بالـHSV ولا تترافق بأعراض أو علامات جهازية.

  • الأكزيما الحلئية (الاندفاع حماقي الشكل لكابوزي):

هي خمج خطير بالحلأ البسيط، بدئي عادة ويحدث عند الأشخاص المصابين بالأكزيما. وقد تكون معممة وتشمل عدة مناطق من الجلد، وتؤدي لحويصلات وقرحات وجلب نزفية، ومن الشائع حدوث حمى عالية 40-40.5 درجة مئوية لمدة 7-10 أيام مع هجمات متكررة على آفات جلدية تأتبية مزمنة. في الحالات الشديدة يصبح الخمج الواسع شبيها بالحرق ويؤدي لضياع السوائل والكهارل. وقد يحدث انتشار إلى الدماغ والأعضاء الأخرى.

  • الآفات العينية:

قد يحدث التهاب الملتحمة بالفيروس والتهاب القرنية كتظاهرات للخمج الأولي أو الراجع، وذلك في أي عمر. وتبدو الملتحمة محمرة متورمة دون وجود قيح. قد تكون آفات القرنبة سطحية على شكل قرحات متغصنة أو عميقة –كما في الأخماج الراجعة– و هي أكثر شيوعاً ، وإن وجود الحويصلات الحلئية على الأجفان يوجه التشخيص.

بالطبع يجب عدم استخدام الستيروئيدات التي تسيء للإصابة العينية بالحلأ البسيط. وقد تتضمن التظاهرات العينية عند الولدان المصابين بالحلأ البسيط: الساد، التهاب القزحية، التهاب الشبكية و المشيمية، إضافة لالتهاب الملتحمة والقرنية.

  • التهاب الدماغ:

يعد الحلأ البسيط السبب الأكتر شيوعاً  لالتهاب الدماغ الفيروسي المميت، وهو ينجم بعد مرحلة الوليد بشكل رئيس عن النمط الأول HSV-1 وقد يكون تظاهرة للخمج الأولي أو الخمج الراجع، وفي حال عدم المعالجة تزيد نسبة الوفيات عن 75%.

على الرغم من أن التهاب الدماغ الحلئي يشابه بقية التهابات الدماغ بإحداث تغير في الوعي وحمى واختلاجات، فالملامح الوصفية لالتهاب الدماغ الحلئي عند الوليد هي العلامات السريرية للإصابة البؤرية في الجملة العصبية المركزية التي تثبط بتخطيط الدماغ الكهربائي أو التصوير المقطعي المحوسب أو الرنين المغناطيسي أو العلامات العصبية الشعاعية للإصابة البؤرية بخاصة في الفص الصدغي. يبدي فحص السائل الدماغي الشوكي عادة زيادة في اللمفاويات وارتفاعاً في البروتين مع مستوى طبيعي من الغلوكوز إضافة للكريات الحمر. يكون زرع السائل الدماغي الشوكي سلبياً بالنسبة لللجراثيم وفيروس الحلأ البسيط (قد نتمكن من زرع فيروس الحلأ البسيط عند الولدان المصابين) ويمكن إثبات التشخيص بتحري مستضد HSV أو تحري DNA الفيروس في السائل الدماغي الشوكي بتفاعل البوليميراز التسلسلي PCR

  • الحلأ التناسلي:

تحدث هذه الحالة بالشكل الأكثر شيوعاً  عند المراهقين أو البالغين الشباب. وقد تكون مؤشراً للنشاط الجنسي الباكر أو سوء المعاملة الجنسية عند الأطفال الصغار. والسبب في 75% من الحالات هو HSV-2. ويتظاهر الخمج البدئي العرضي بآفات حويصلية متقرحة و متجلبة في المناطق التناسلية للذكور والإناث. ويصاب عنق الرحم عند الفتيات أيضاً. ومن الشائع وجود أعراض جهازية كالحمى وضخامة العقد اللمفية وعسرة التبول. يمتد سير المرض 10-20 يومً. و قد تحدث |إصابة مماثلة في المناطق حول الشرج لدى المرضى الشاذين جنسياً.

تتظاهر الإصابة التناسلية الراجعة بحويصلات موضعة وتقرحات وجلب، تدوم عدة أيام دون أعراض جهازية. وتحدث الرجعة في 50-80% من المرضى المصابين بعد الإصابة التناسلية البدئية العرضية.

تتضمن مضاعفات الحلأ التناسلي البدئي التهاب سحايا عقيماً محدداً لذاته. و إن إصابة الحامل بالحلأ التناسلي قد تؤدي لنقل الخمج لأبنائها.

  • الخمج المنتشر الجهازي عند الوليد:

تنجم غالبية حالات الحلأ عند الوليد عن HSV-2 و يكتسب عند مرور الوليد بالطريق التناسلي المصاب, ولكن قد يصاب الوليد بالحلأ البسيط أيضا من مصدر آخر غير تناسلي من الأم أو المحيط. علما بأن معظم الإصابات عند الأمهات تكون غير عرضية، ولا توجد عادة قصة للحلأ التناسلي عند الأم وتحدث الولادات الباكرة بنسبة أعلى من المتوقع.

وتحدث الأعراض البدئية للخمج المنتشر عند الوليد خلال أسبوع من الولادة عادة، بينما تحدث الإصابة الموضعة بالجملة العصبية المركزية أو الجلد أو العين أو الفم بعد 2-3 أسابيع من الولادة غالباً.

تتضمن التظاهرات السريرية عند الوليد:

  • اندفاعاً حويصلياً أو بثرياً.
  • تناذر التهاب سحايا ودماغ غير بؤري.
  • تناذر عسرة تنفسية وذات رئة.
  • خمجاً جهازياً معمماً يشمل عدة أعضاء كالجملة العصبية المركزية والكبد، ويترقى الخمج الجهازي إلى حماض واعتلال خثري والصدمة والموت في معظم الحالات غير المعالجة.

لسوء الحظ، كثيراً ما يتأخر ظهور الاندفاع الحويصلي أو أنه لا يظهر على الإطلاق في 20-30% من الحالات حتى وفاة الرضيع.

قد يتطور خمج منتشر عند 70% من الرضع الذين أصيبوا بعلامات موضعة فقط كالحويصلات وإصابة الملتحمة والتهاب الفم، ولذلك فإن أي تظاهرة للحلأ البسيط عند الوليد يجب أن تعالج بالأدوية المضادة للفيروسات. وفي حال عدم معالجة الوليد تصل الوفيات إلى 50% و تكون هناك عقابيل مهمة لدى 50% من الناجين. حتى أن الإصابات الموضعة في الجلد والعين والفم تترافق مع عقابيل في 10-15% من الرضع.

  • المرضى مثبطي المناعة:

يعد المرضى ناقصو المناعة عرضة للإصابة بخمج خطير للحلأ البسيط، ومن بين هؤلاء المرضى نذكر: المصابين باضطرابات الخلية التائية، اللمفوما، الابيضاض، سوء التغذية الشديد، وأولئك الخاضعين لمعالجة كيميائية أو اغتراس أعضاء. ويتظاهر خمج الحلأ البسيط عند هؤلاء بشكل راجع وشديد، ونادراً ما يكون منتشراً، والعادة أن تكون الآفات بؤرية ومتنخرة ومؤلمة وتشفى ببطء و نادراً ما تنتشر الآفات إلى مناطق أخرى للجلد والأحشاء. ويسبب الحلأ البسيط عادة في المرضى مثبطي المناعة التهاباً في المخاطيات والتهاباً في المري كنتيجة للانتشار الموضعي من الخمج الفموي، وبشكل أقل شيوعاً  قد تحدث ذات رئة أو التهاب كبد ونادراً ما يحدث التهاب دماغ مزمن.


التشخيص

قد يبدي الفحص النسيجي (مسحة تزانك أو مسحة بابا نيكولا) خلايا عملاقة أو خلايا ذات اشتمالات نووية. تشير هذه الموجودات إلى إصابة بالحلأ البسيط أو بفيروس الحماق وداء المنطقة، وتعد اختبارات كشف المستضد كالمقايسة المناعية المرتبطة بالأنزيم ELISA والضد المتألق من الاختبارات السريعة والنوعية لكن حساسيتها تقدر بـ 50-80% فقط، والاختبار المثالي هو اختبار البوليميراز التسلسلي PCR أو في حال عدم توافره يجرى الزرع النسيجي والذي يعد حساساً و نوعياً و سريعاً (يتطلب 2-5 أيام).

قد يكون عيار الأضداد في طور المرض الحاد وطور النقاهة مشخصاً في الخمج الأولي لكنه لا يفيد في اتخاذ القرارات السريرية. لكن يلاحظ لدى معظم الولدان أضداد منتقلة عبر المشيمة، وأن لدى المرضى المصابين بحالات راجعة مستويات ثابتة وعالية من الأضداد وأن الأطفال مثبطي المناعة بشدة يفشلون في إنتاج أي من الأضداد.


المعالجة

تعتمد خطة العلاج لفيروس الحلأ البسيط على نمط الإصابة (بدئية أو راجعة) والمناطق التشريحية المصابة والحالة المناعية للثوي، وهي الأكثر أهمية، فالخمج البسيط المحدد لذاته لدى الأطفال الأسوياء مناعياً (كالتهاب الفم واللثة) لا يتطلب أي معالجة، بينما يكون إعطاء الأسيكلوفير ضرورياً إما عن طريق الفم للأخماج غير المختلطة (الآفات التناسلية الأولية) وإما وريدياً للأخماج الأكثر خطورة (التهاب الدماغ) أو المنتشرة (الوليد، الثوي المثبط مناعياً)، ويستطب تطبيق معالجة موضعية باستخدام TRIFLURIDINE أو IODODEOXYURIDINE للإصابة العينية.


الوقاية:

تستطب الولادة القيصرية في حال إصابة الأم بخمج أولي تناسلي بالحلأ البسيط في وقت الولادة، لأن إصابة الوليد بالحلأ البسيط تكون بنسبة كبيرة فيما إذا تمت الولادة بالطريق المهبلي ضمن هذه الظروف، ولا يفيد الزرع ما قبل الولادة عند توقع وجود فيروس الحلأ البسيط في وقت الولادة.

يستخدم الأسيكلوفير بشكل مديد أحياناً لدى المرضى المصابين بأخماج الحلأ البسيط المتكررة أو الشديدة والراجعة (خاصة مرضى الإيدز)، و قد لوحظ حدوث مقاومة للأسيكلوفير لدى هذه المجموعة. يفيد استخدام الواقي الذكري نسبياً في الحماية من الانتقال الجنسي للحلأ البسيط.

السابق
نقص هرمون النمو عند الاطفال
التالي
الثعلبة