الثورة العلمية الحديثة تقدم رؤية جديدة كلياً للسرطان، استناداً إلى آلاف الحالات التي لم تتطور، كما كان متوقعاً لها دائماً. وبحسب اقتراحها:

–   السرطان عملية منظمة ومضبوطة دائماً من قبل الدماغ، وموجهة بشكل دقيق، لا عشوائي، نحو عضو محدد. إننا إذاًَ على طرفي نقيض مع المفهوم التقليدي للتكاثر الفوضوي والعشوائي وغير المضبوط للسرطان.

–   العامل المسبب للسرطان في %100 من الحالات هو صراع بيولوجي عنيف معاش في عزلة، ويعيشه المريض في الأسابيع السابقة لظهور المرض. وهنا أيضاً، نحن بعيدون عن العوامل المرضية ذات الطبيعة الفيزيائية أو الكيميائية أو الكهرومغناطيسية أو الإشعاعية.

– وأخيراً، فإن ظهور مراكز أخرى للسرطان، غير صحيح. وكل ما هنالك هو ظهور سرطان جديد، أو سرطانات جديدة، سببها صراع بيولوجي جديد، يضاف إلى الصراع الأولي.

إن من يطلّع، للمرة الأولى، على هذه الأعمال ومسلماتها يظن أنها صدرت عن عباقرة أو مجانين!!!

سأقوم بعرض الخطوط العريضة للمنطق الذي أدى إلى هذه الإثباتات الثورية والمدهشة في نفس الوقت.

السرطان: الحل المثالي الذي يقدمه الدماغ إلى الجسد

قدم الأرنب المحصورة داخل معدة الثعلب

أحد الأمثلة التي نباشر بها  الدورات التدريبية كينشرح بها تلك الأعمال المذكورة، مأخوذ من ملاحظة السلوك الحيواني: لنتخيل أن ثعلباً قد تمكن من اصطياد أرنب ألقت به الأقدار في طريق الثعلب، بعد ثلاثة أيام من محاولات الصيد الفاشلة. ويبدأ الثعلب بأكل فريسته بتلذذ، ويظل يقظاً ومنتبهاً لجميع الإشارات التي قد تنذره بالخطر. ويكتشف الثعلب، في لحظة ما، اقتراب صياد منه. فيجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن أهرب من الصياد وأحافظ على حياتي، تاركاً فريستي، ولكني في هذه الحالة قد لا أصطاد شيئاً في الأيام المقبلة وأموت من الجوع؛ أو أن أستمر في أكل فريستي كاملة، كي لا أموت من الجوع، ولكني أخاطر في هذه الحالة، إذ قد يتمكن الصياد من قتلي. ويرى الثعلب أن احتمال الموت قائم في الحالتين والحل الذي وجده الثعلب كي يخرج من المأزق هو أن يبتلع، دفعة واحدة، أحد أرجل الأرنب، ويهرب تاركاً ما تبقى من فريسته. وبفضل هذا استطاع النجاة من الصياد، وحل مشكلة الموت المزدوجة التي مر بها. ولكن المشكلة الآن هي تلك القدم الكاملة المحصورة في معدته، فلا هو قادر على إخراجها ومضغها، ولا هو قادر على هضمها بالطريقة المعتادة داخل جهازه الهضمي. إذاً، الثعلب مهدد بحدوث الانسداد والموت.

تصل في هذه اللحظة المعلومة التالية إلى الدماغ: “خطر: قدم أرنب محصورة في المعدة”. فيقوم الدماغ باختيار برنامج خارق للهضم السريع، من بين برامج استمرار الحياة المحفوظة فيه. وفي الواقع، إن الطريقة الوحيدة لإنقاذ الحيوان في مثل هذه الحالة، هي الإسراع في هضم ما علق في المعدة. وهكذا ينظم الدماغ فوراً عملية إنتاج خلايا هضمية خارقة، في محيط المعدة. إن هذه الخلايا الخارقة قادرة على هضم أي غذاء بسرعة تساوي خمسة أضعاف سرعة الخلايا الطبيعية. وطالما أن قدم الأرنب لم تهضم بأكملها، فإن المعلومة البيولوجية القادمة من المعدة تؤكد للدماغ ضرورة الاستمرار في برنامجه المولد للخلايا الهضمية الخارقة. وبالعكس، ما إن تنتهي عملية هضم القدم، أي يزول الخطر البيولوجي، وحتى يوقف الدماغ برنامج استمرار الحياة (أو البقاء)، ويعطي أوامره للتخلص من الخلايا الهضمية الخارقة الموجودة في محيط المعدة.

قبل مواصلة العرض نلاحظ في هذه القصة ظهور الثلاثية (معلومة، طاقة، مادة) التي تحدثنا عنها سابقاً.

030117_1008_1 الطب الحديث والسرطان

إن المعلومة (“خطر: قدم أرنب محصورة في المعدة”) التي تنتمي إلى عالم النفسية، ويتم معالجتها في الدماغ عبر برامجه الخاصة بالإنقاذ، وتترجم في العضو (الخلايا الهضمية في المعدة) التي تنتمي إلى العالم المادي. وهكذا يتقاطع عالمان مختلفان (المعلومة من جهة والمادة العضوية من جهة أخرى)، ويكون الدماغ هو الجسر الذي يجمع ما بينهما.

قد يتساءل أحدكم في نهاية هذه القصة : “ولكن، ما علاقة هذا بالسرطان؟” العلاقة قد تعمدت إخفاءها. لماذاً؟ .. في الواقع، إن الخلايا الهضمية الخارقة التي ساعدت الثعلب على النجاة من موت أكيد، والتي أنتجت في نطاق برنامج إنقاذ أطلقه الدماغ، ليست سوى خلايا سرطانية. وبحسب ما يقوله الباحثون – وهذا جزء مما يميز عبقريتهم – فإن الخلايا المسرطنة ليست إلا خلايا طبيعية تمت مضاعفة وظائفها كي تؤدي مهام إنقاذية للشخص، أو الحيوان، الذي يمر بوضع حرج. وبكلمات أخرى أقول، إذا آمنا بما يقوله هؤلاء، فإن الخلايا المسرطنة الموجودة في محيط المعدة، ليست إلا خلايا هضمية خارقة. وإن خلية مسرطنة في الكبد قادرة على تحقيق خمسة أو ستة أضعاف ما تقوم به خلية طبيعية، بنفس الوقت وبشكل أفضل. والخلية المسرطنة في الثدي، هي خلية منتجة للحليب قادرة، عند الطوارئ، على إنتاج كمية من الحليب أكبر بكثير من الكمية المعتادة.

الإثبات التجريبي مخبرياً:

030117_1008_2 الطب الحديث والسرطانولكي يقوم البحثون بإثبات نظريتهم، وضعوا في أنبوبي اختبار نفس الكمية من خلايا المعدة. وهكذا نجد في الأنبوب A كمية من الخلايا السليمة، ونجد في الأنبوب B نفس الكمية من الخلايا المسرطنة. ثم أعطي لكل مجموعة خلايا نفس كمية الغذاء لهضمها. فأنهت مجموعة الخلايا المسرطنة عملها بسرعة أكبر خمس مرات من سرعة الخلايا السليمة.

أثبت الباحثون في هذه التجربة أن الخلايا المسرطنة تقوم بهضم نفس كمية الغذاء بسرعة أكبر خمس مرات من سرعة الخلايا السليمة.

فالسرطان، إذاً، عند هؤلاء، هو الحل المثالي الذي يقرره الدماغ لحل صراع بيولوجي حاد يهدد الوجود. ففي مثالنا السابق حول رجل الأرنب في معدة الثعلب، الصراع حاد ويهدد وجود الثعلب كما أنه حصرياً من نوع بيولوجي (خطر انسداد المعدة) وقد تسألني، لماذا يتسبب السرطان بالموت، ما دام حلاً مثالياً يقرره الدماغ؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب فهم آلية معالجة الدماغ للمعلومات التي تصل إليه.

معالجة الدماغ للمعلومات:

لقد قلت سابقاً، وحسب المعطيات الحديثة لفيزيولوجيا الأعصاب بأنه يجب اعتبار الدماغ عضواً استثنائياً يقوم بمعالجة المعلومات وليس فقط كياناً مفكراً بحد ذاته. بالرغم من أن الاعتقاد السائد حتى في الأعوام 1970-1960 هو أن الدماغ هو مركز الفكر. إلا أن الملاحظات التي قام بها الدكتور مودي (Moody) من الولايات المتحدة الأمريكية، على مرضى يعيشون ما يسمى تجارب قريبة من الموت (Near Death Experiences) N.D.E، قد أثبت أنه بالإمكان القيام باختبارات الإدراك بالرغم من كون التخطيط الكهربائي للدماغ مسطحاً بشكل كامل. النتيجة: دماغنا عبارة عن حاسب خارق، وعضو معالجة خارق ولكنه مجرّد من كل تمييز أو إدراك متبصّر.

وهكذا، مهما كانت طبيعة المعلومات التي تعطيها لدماغك. فإنه يقوم بمعالجتها بنفس الطريقة تماماً. وإن وعيك هو الذي يمكّنك من تمييز المعلومات الصحيحة من المعلومات الافتراضية أو المتخيلة أو الرمزية. والدماغ يقوم بمعالجة المعلومات من هذه الفئات الأربع، بنفس الطريقة. لنأخذ مثالاً كي نقتنع. إذا كنت في الحقيقة، جالساً في قطار صغير في الجبال الروسية، وكنت في قمة أعلى طريق منحدر، مسبّب للدوار، فإن دماغك سيقوم بمعالجة هذه المعلومة الحقيقية، آنياً، ويحدث جميع ردود الأفعال الفيزيولوجية للخوف (تسريع دقات القلب، زيادة إفراز الأدرينالين، شحوب الجلد، زيادة التعرق، الخ). وستجد هذا الأمر طبيعياً. والآن، إذا كنت جالساً أمام شاشة حاسبك، وأثناء لعبة تفاعلية، وجدت نفسك في قمة منحدر افتراضي في الجبال الروسية، وإذا كانت الشاشة والمؤثرات الصوتية والمرئية معدّة جيداً، وكنت مندمجاً باللعب، فإن دماغك سيحدث نفس ردود الفعل الفيزيولوجية السابقة، تماماً، رغم أن هذه المعلومات افتراضية. والآن، يطلب منك أحدهم أن تغلق عينيك وأن تتخيل أنك تصعد شيئاً فشيئاً جبلاً روسياً، مستقلاً القطار، وأنك وصلت قمة أعلى طريق منحدر مسبب للدوار، وبرغم أن هذه الصورة متخيلة تماماً، إلا أن دماغك سيحدث نفس ردود الفعل الفيزيولوجية التي يحدثها في الحالة الحقيقية. وأخيراً، إذا وضعتك الحياة أمام انهيار مهني حيث أن صاحب العمل قد خفض مرتبتك في العمل، فجأة. أي أنه ألقى بك، رمزيا، نحو الأسفل، في تقدير زملائك ونظر أصدقائك، وهنا سيُحدث دماغك، مجدداً، نفس ردود الأفعال السابقة.

يظهر المثال السابق أن دماغنا لا يميز ما بين المعلومات الحقيقية أو الافتراضية أو المتخيلة أو الرمزية. وبمعرفتنا لهذا الأمر، يمكننا أن نفهم لماذا يموت الإنسان بسبب السرطان في بعض الظروف، ولماذا لا يرضخ البعض لهذا المرض، ولماذا يندر وجود حيوانات تموت بسببه.

هروب طفل:

لنأخذ مثالاً من السلوك الإنساني، هذه المرة. لنتخيل أن نزاعاً عائلياً عنيفاً قد دفع فتى في الرابعة عشر من عمره إلى مغادرة بيت العائلة، دون سابق إنذار. فاستقل أول قطار ورحل إلى مكان مجهول، دون أن يُعلم العائلة شيئاً عنه طيلة شهور. فيعيش الوالدان، هذا الوضع، كصراع نفسي شديد. وفي الساعات الأولى والأيام الأولى لوقوع هذا الحدث، يشغل هذا الموضوع %100 من تفكير الوالدين، ولكن، في لحظة محددة تتراجع هذه النسبة، إذ يجب أن تستمر الحياة، وأن يتابع الوالدان جميع مسؤولياتهما الأخرى، ويبقى التفكير بالطفل الغائب يشغل الحيز الأكبر من تفكيرهما. ولتحرير الأبوين من هذا الصراع الذي يحتل نفسيتهما %100، يقرر الدماغ ترجمة هذا الصراع النفسي إلى صراع بيولوجي لا يطال أكثر من عضو واحد. وبهذه الطريقة يحرر الدماغ الوعي من هذا الصراع النفسي، كي يتمكن الأبوان من متابعة مشاغلهما الأخرى. هذه إذاً أول خطوة للإنقاذ يقوم الدماغ بها، ولكن نحو أي عضو سيتوجه الصراع البيولوجي؟

لنأخذ، حالياً، حالة الأم. فإذا أصابها القلق جرّاء رحيل ابنها، وقالت لنفسها: “إن طفلي غير قادر على تأمين احتياجاته، لا بد أنه سيموت من الجوع!” ستصل المعلومة التالية إلى الدماغ “خطر: طفلي بحاجة إلى الغذاء”. فماذا سيفعل الدماغ؟ سيطلق برنامجاً خارقاً لتغذية الطفل، فيعطي أوامره مباشرة إلى البدن كي يبدأ بإنتاج خلايا مغذية خارقة، وهي خلايا مولدة للحليب، خارقة الأداء. فإذا عرفنا أن هذه الخلايا ليست سوى خلايا سرطانية، ندرك أن الدماغ قد تسبب في ظهور سرطان الثدي، عند قيامه بإنقاذ الطفل رمزياً. يمكننا القول إذاً، أن الأم تمر في هذه الفترة بطور صراع فعّال أو بطور غلَبة الودي (Vagotonia).

030117_1008_3 الطب الحديث والسرطان

لنتخيل أن الطفل قد قرر العودة، بعد مرور ثلاثة أشهر. ما أن يتجاوز الطفل باب المنزل، أو بمجرد أن يعلن هاتفياً عن عودته، ستتولد معلومة جديدة عند الأم مفادها أن الطفل لم يعد في خطر، ويتم معالجة هذه المعلومة مباشرة من قبل الدماغ، وتعتبر إشارة لإنهاء برنامج التغذية. وهكذا يتوقف إنتاج الخلايا المولدة للحليب المسرطنة، وتدخل الأم مرحلة إنهاء الصراع أوطور غلبة المبهم (Sympathicotonia)، ونظراً لعدم وجود مخرج طبيعي متصل بالثدي، يتم التخلص من الورم في مكانه عن طريق تفككه، فلا نعود نجد، بعد عدة أسابيع، إلا منطقة تكلس ميكروية، أي بعض الخلايا الكلسية الجافة، وهي بقايا الحليب الذي تم إنتاجه لتغذية الطفل.

ندرك، بفضل هذا المثال، أن الدماغ يقوم بتشغيل نفس برنامج التغذية الخارق الذي يشغله عندما يكون الرضيع جائعاً. وقد كانت الحاجة إلى الغذاء في مثالنا حالة افتراضية أو متخيلة أو رمزية تماماً. وتنهي القصة لأن الصراع النفسي قد تحول إلى صراع بيولوجي تم إيقافه عند عودة الطفل، هناك إذاً، حالة شفاء حقيقة، شاملة ومؤكدة من سرطان الثدي.

بمجرد أن تعرف الأم أن طفلها ليس في خطر، يطلق دماغها، تلقائياً، عملية شفاء من سرطان الثدي.

 “الضربة التي لا أستطيع، أبداً، هضمها”:

030117_1008_4 الطب الحديث والسرطانلنأخذ مجدداً القصة السابقة، ولكن من وجهة نظر والد الطفل الهارب، يعيش الأب في الفترة الأولى صراعاً شديداً لكنه مختلف عن صراع زوجته. فبالنسبة له، يشكل هروب الابن عار لا يمكنه قبوله. وبسرعة، وبسبب آلاف الأفكار التي تدور في رأسه، ينتهي الأمر به إلى اعتبار هروب الطفل ضربة لا يستطيع أبداً هضمها. حتى لو عاد طفله يوماً ما. فما الذي يفعله الدماغ، عندئذ، تلقائياً بهذه المعلومة؟ إنه يتصرف مثلما تصرف دماغ الثعلب عندما استقبل المعلومة التالية “خطر: قدم أرنب محصورة في المعدة”. هذه المعلومة غير حقيقية لكنها افتراضية أو رمزية. لا يستطيع الأب هضم هذه الضربة التي وجهها إليه ابنه. وهكذا، وبدون تفكير (نتذكر هنا أن الدماغ مجرد من كل تمييز أو إدراك متبصر) يطلب الدماغ برنامج هضم خارق ويعطي أوامره مباشرة بإنتاج الخلايا الهضمية الخارقة، ويصاب هنا إما بقرحة معدية أو بسرطان المعدة (الخيار ما بين الاثنين مرتبط بشدة إحساس الأب). يظل هذا البرنامج نشطاً طيلة ثلاثة شهور. فالأب لا يستطيع، ولا يريد أن يهضم الضربة التي وجهها إليه ابنه. وعند عودة الطفل بعد ثلاثة شهور، وبرغم أن الأم تطلق عملية الشفاء من السرطان مباشرة (فبالنسبة لها، تضع المعلومة “عودة طفلي” نهاية لبرنامج التغذية الخارق)، ولكن غطرسة الأب وقسوته يمنعانه من هضم الضربة التي تلقاها. إنه لا يسامح أبداً، ويظل في مكانه، ولا يعترف بانتهاء الأزمة. ولهذا يظل الصراع العنيف قائماً في داخله، ويستمر تضخم خلايا المعدة المسرطنة. إلى أن يتم تشخيص سرطان المعدة عنده، ولتبدأ عندئذ رحلة العلاج التقليدية: استئصال، أو تعريض للأشعة أو العلاج الكيميائي.

يظل الأب محصوراً في طور الصراع النشط (غلبة الودي) مما يتسبب بالاستمرار في إنتاج الخلايا المسرطنة.

لماذا لا تموت الحيوانات بسبب السرطان؟

يستنتج الدكتور هامر: لا تموت الحيوانات بسبب السرطان في أغلب الحالات، والسبب أن معظم صراعاتها ذات منشأ حقيقي، ويمكن حلها بواسطة برامج الإنقاذ المخزنة في الدماغ، وما إن يستقبل الدماغ معلومة رجعية مفادها أن الخطر قد زال، فإنه يعطي أوامره بإيقاف برنامج الإنقاذ، والتخلص من الخلايا السرطانية التي تم إنتاجها. وهكذا يعود التوازن إلى العضو والجسد.

ولكن الأمر ليس كذلك عندنا، نحن البشر، فصراعاتنا افتراضية أو متخيلة أو رمزية في أغلب الحالات. وإذا لم يطبق حل عملي لإنهاء الصراع، الذي تسبب بإرسال معلومة غير حقيقية إلى الدماغ أدت إلى إطلاق برنامج منتج للخلايا السرطانية، فإن الدماغ لن يتوقف أبداً عن إنتاج الخلايا، لأن المعلومة المرتجعة المطلوبة، والتي تخبره بزوال الخطر، لن تصل إليه أبداً. وهكذا يستمر الدماغ في تشغيل برنامج الإنقاذ المفترض، مما يتسبب بموت الشخص الذي كان يسعى في بداية الأمر إلى النجاة. وكما يقول الدكتور “صبّاح” ، فإن الموت بحد ذاته هو حل مثالي يقدمه الدماغ لأسباب تتعلق بالبقاء الجماعي. فمن وجهة النظر البيولوجية، تشكل إمكانية الإنجاب، عند المصابين بالأمراض والضعفاء، خطراً على النوع. ومن ثم تصبح الأولوية لبقاء النوع على بقاء الفرد.

إذا دخلنا في أعماق الأعمال المذكورة، سنجد الأسباب التي تجعلنا نموت بسبب السرطان أو أمراض أخرى. وهي أننا عاجزون عن إدارة صراعاتنا، وتسوية قضايانا العالقة وغير المنتهية، وأننا نضمر الحقد والكراهية، ونحزن، ونتعلق، ولا نصبر على الفراق.. إلخ. وبفضل شهادات الباحثين وشهادات الأطباء الذين يتبعون منهجهما، ومئات من الحالات التي سددوها وكذلك في محيطي الشخصي، فقد آمنت بأن ما نقوم به من أعمال يساعد الرجال والنساء على مواجهة صراعات وجودهم، وإرخاء قبضتهم، والتسامح، كي يتمكنوا من الشفاء.

تعلمت من جميع تلك الشهادات، وبشكل ملموس ما أعلمه بنفسي للآخرين منذ أكثر من 10 سنوات وهو أن  إيقاف تبادلات السيطرة، والتسامح مع الآخر يجب ألا يكون بدافع الكرم والغيرة عليه، وإنما يجب أن يكون بسبب حاجتي غير المشروطة لاحترام ذاتي، وكي لا أنشط في داخلي صراعاً قد يقودني إلى الموت. فعندما أسعى لتسوية القضايا العالقة مع الأشخاص الموجودين في محيطي الخاص والمهني، فهذا لأنني أريد الحفاظ على توازني الداخلي، ولذلك فإنني لا أصغي لمن يقول : “لماذا تسعى لتسوية أمورك معه، إنه لا يستحق ذلك”. فما أقوم به ليس بدافع أخلاقي أو بدافع احترامي للشخص الآخر. بل بدافع حماية نفسي، بعيداً عن كل اتهامات الغطرسة، وحسابات الغالب والمغلوب. تقلل إلى حد كبير من أعداد الوفيات بسببه.

تقييم خطورة السرطان:

يشكل تقييم خطورة السرطان (cancer risk assessment) خطورة هامة في التقييم البدئي لاي مريض . ولا تقتصر أهمية نسبة حدوث السرطان لدى المريض على تحديد التوصيات الضرورية لتقصي السرطان في هذا المريض وإنما ايضاً قد تؤثر على درجة الهجومية في استقصاء الموجودات غير القاطعة بهدف وضع التسخيص الأكيد. فعلى سبيل المثال يمكن للآفة التي ربما تكون سليمة على تصوير الثدي والتي تعرف بأنها الآفة التي تحمل إمكانية خباثة تقل عن 2% (المجموعة III حسب الكلية الأمريكية للاشعة) أن تدبر بإجراء تصوير الثدي للمتابعة خلال ستة أشهر في المريضة التي تكون خطورة إصابتها بالسرطان على الخط القاعدي ولكن قد يكون التشخيص النسيجي مفضلاً في مريضة لديها خطورة مرتفعة للإصابة بسرطان الثدي.

يبدأ تقييم خطورة حدوث السرطان بأخذ قصة سريرية كاملة تتضمن قصة التعرض البيئي للوامل المسرطنة الممكنة وأخذ قصة عائلية لكشف وجود غصابة في اي عضو من العائلة واحتمال وجود مروثة مؤهبة للإصابة بسرطان الثدي للبحث عن الحالات العائلية لسرطان الثدي، سرطان المبيض، سرطان الدرق، الغرن، كارسينوما قشر الكظر، سرطان بطانة الرحم، سرطان الدماغ، التظاهرات الجلدية، ابيضاض الدم أو اللمفوما ولمعرفة فيما إذا كانت المريضة تنتمي إلى مجموعة سكانية تبدي خطورة لسرطانات معينة مثل سلالة يهود الأشكنازي. يستفيد المرضى الذين لديهم قصة عائلية تشير إلى متلازمات التأهب للسرطان مثل متلازمة سرطان الثدي والمبيض الوراثي LES، أو CD من الاستشارة المورثية أو الاختبارات المورثية.

من المرضى الذين لا يبدو أن لديهم عنصر وراثي بارز بالنسبة للخطورة يمكن أن يقيموا على أساس العمر، العرق، القصة الشخصية والتعرض للعوامل المسببة. وإن أحد أكثر النماذج المستخدمة في تقييم الخطورة في سرطان الثدي هو نموذج Gail. قد حلل غيل وزملاؤه البيانات من 2852 حالة سرطان ثدي و 3146 شاهداً في مشروع تحري وكشف سرطان الثدي وهو مشروع يعتمد على تقصي حالات سرطان الثدي بواسطة تصوير الثدي أجري في السبعينات من القرن الماضي وكان الهدف منه وضع نموذج لتوارد سرطان الثدي.

ومن الملحوظ أن هذه الإفتراضات المتعلقة بالخطورة تفترض بأن النساء يخضعن لفحوص سريرية منتظمة للثدي ويجرين تصويراً للثدي بهدف المسح.

ومن الملحوظ كذلك أن هذا البرنامج يقصر في تقدير خطورة النساء اللواتي تم تشخيص سرطان الثدي الغازي لديهن قبل ذلك وهو لا ياخذ بالحسبان التأهب المورثي النوعي مثل طفرات BRCA2. BRCA1 ولكن أدوات تقييم الخطورة هذه قد تم اختبارها هي تستخدم الآن على نطاق واسع في السريريات ويتم تطوير أو اختبار نماذج اخرى في سرطانات أخرى فعلى سبيل المثال وجد أن نموذجاً للتنبؤ بسرطان الرئة والذي يتضمن العمر الجنس قصة التعرض للأسبستوز وقصة التدخين هو قادر على التنبؤ بخطورة حدوث سرطان الرئة.

030117_1008_5 الطب الحديث والسرطان

على الرغم من أن معظم سرطانات الجلد تظهر عند كبار السن، فإن العطب يبدأ غالبا قبل ذلك بعقود، عندما تُحدِث أشعةُ الشمس طفرة في جين رئيسي gene key في خلية. في عام 1775 أبلغ الطبيب البريطاني <P. پوت> عن انتشار غريب لقرحات مهترئة في أصفان scrotums العديد من منظفي المداخن في لندن. وقد ارتأى أطباء آخرون أن هؤلاء الرجال ربما كانوا مصابين بأحد الأمراض الزهرية veneral diseases الذي كان متفشيا في المدينة في ذلك الحين. لكن پوت كان أكثر فطنة، إذ أدرك أنهم كانوا في الحقيقة يعانون أحد أنواع سرطان الجلد. وكان اكتشاف پوت حدثا طبيا ذا شأن. فبملاحظته أن الرجال الذين يتعرضون باستمرار لقطران الفحم coal tar يكونون بصفة خاصة أكثر قابلية للإصابة بهذا النوع من السرطان، استطاع أن يثبت للمرة الأولى أن سبب السرطان يمكن أن يكون عاملا خارجيا أكثر منه داخليا.

وقد تحقق الباحثون حديثا من وجود صلة أخرى بين البيئة وسرطان الجلد؛ ولكن العامل في هذه الحالة أكثر انتشارا، وهو موجود في كل مكان: إنه ضوء الشمس. وقد أظهرت الجهود المضنية لعشرات الباحثين قدرا كبيرا من المعلومات عن الطريقة التي تسهم بها أشعة الشمس في نشوء عدد كبير ومذهل من حالات سرطان الجلد كل عام.

ففي الولايات المتحدة وحدها يحدث نحو مليون حالة جديدة من سرطان الجلد سنويا، منافسا في ذلك عدد حالات أنواع السرطان الأخرى كلّها. ويأخذ سرطان الجلد في صورته النموذجية واحدا من أشكال ثلاثة تتوافق والأنماط الرئيسية الثلاثة لخلايا الجلد وهي: الخلايا القاعدية basal cells والخلايا الحرشفية squamous cells والخلايا الميلانية (القتامينية) melanocytes. وسرطان الخلايا الميلانية الذي يسمى أيضا الميلانوم (الورم الميلاني) الخبيث malignant melanoma هو أكثر الأنواع إماتة، وربما كان أكثرها غموضا على الباحثين في محاولاتهم فَهْم الطريقة التي تحدث بها هذه الأورام. ولحسن الحظ، فهذا النوع أيضا أقلها شيوعا. ففي الولايات المتحدة من المتوقع أن يحدث هذا العام (1996) نحو 38000 حالة جديدة من الميلانوم وما يقرب من 7000 حالة وفاة بسبب هذا المرض. أما الشكلان الآخران اللذان يسميان معا سرطان الجلد اللاميلاني nonmelanoma skin cancer فيمثلان سائر الحالات ولكنهما يؤديان إلى وفاة نسبة أقل كثيرا من بين المصابين. ولهذا يُتَوقَّع وفاة آلاف قليلة في الولايات المتحدة خلال عام 1996 بسبب سرطان الجلد اللاميلاني (الذي يكاد يكون على وجه الحصر سرطان الخلايا الحرشفية).

وإذا اكتُشفت حالات سرطان الجلد اللاميلاني مبكرا أمكن معالجة معظمها بسهولة في عيادة الطبيب وبتخدير موضعي. وتُعالَجُ مثل هذه السرطانات بأنواع مختلفة من التقنيات البسيطة التي تشمل الكشط scraping والحرق والتجميد والاستئصال الجراحي للنسيج الخبيث. وحتى الميلانوم، إذا تم تشخيصه في الوقت الذي لاتزال سماكة الورم فيه أقل من مليمتر واحد أمكن معالجته عادة بالاستئصال البسيط. ولكن بما أن سرطان الجلد يصيب أشخاصا من فئات العمر كلها، وبما أنه قد يسبب التشويه والوفاة إذا تُرِك من غير معالجة، فإن الباحثين الطبيين بذلوا جهودًا علمية هائلة على مدى سنوات ليتوصلوا إلى الآليات التي تُحْدِث هذا المرض. ومما يلفت النظر أن حادثا تاريخيا أسهم في تحقيق هذا الهدف المنشود.

يشمل جلد الإنسان ثلاثة أنماط رئيسية من الخلايا، كلها عرضة للطفرات الجينية المحدثة بأشعة الشمس. فبالقرب من قاعدة البشرة epidermis توجد الخلايا القاعدية المستديرة round basal cells. كما توجد الخلايا الحرشفية المسطحة flattened squamous cells أكثر قربا من السطح. أما الخلايا الميلانية melanocytes (الخلايا التي تنتج صباغ الميلانين الواقي) فتوجد متناثرة في الطبقة القاعدية ولها امتدادات عديدة تصل خارجها. وتستطيع الأشعة الشمسية أن تنفذ بوفرة تحت سطح الجلد وتعطب قطعا من دنا الخلية الحساس بصفة خاصة للأشعة فوق البنفسجية. ويبدو أن عطب الجين المسمى p53 أساسي وحاسم لحدوث سرطان الخلايا القاعدية والخلايا الحرشفية في الجلد.

لقد عرف الباحثون منذ 50 عاما أن التجربة الأسترالية دلت على أن أشعة الشمس القوية والبشرة الفاتحة اللون هما عاملا الخطورة المهمان في الإصابة بسرطان الجلد. لكن العلماء ظلوا عشرات السنين عاجزين عن تفسير ما تفعله الشمس حقا في خلايا الجلد حتى تصبح خلايا سرطانية. وقد تطلّب إيضاح هذا السر الغامض أكثر من تجربة عَرَضية على قارة مغمورة بأشعة الشمس، كما استغرق سنوات من الدراسة في مختبرات أبحاث علماء البيولوجيا الجزيئية في العالم قبل البدء بكشف النقاب عن تفاصيل تلك العملية.

وعندما شرعنا في دراسة هذه المشكلة في أواخر الثمانينات بدا لنا وجود نمطين من الأذى تسببهما الشمس يتساويان من حيث كونهما موضع الاتهام. ففي النمط الأول هناك الطفرات التي تحدث في جينات معينة داخل خلايا الجلد. فقد تتكاثر الخلية بشكل مفرط إما لأن الطفرة تجعل الجين العادي شديد النشاط والتحفيز على زيادة النمو (جين ورمي oncogene)، وإما لأن الطفرة تُبطل عمل الجين الذي يحدّ طبيعيا من نمو الخلية وانقسامها (جين كابت للورم tumor suppressor gene). أما النمط الآخر من الأسباب التي أخذناها بالحسبان منذ البداية فكان يشمل أحداثا أوسع انتشارا ـ أي تلك التي تؤثر في كل خلية معرَّضة لضوء الشمس. فعلى سبيل المثال، قد يكبت إشعاع الشمس الاستجابة المناعية للجلد (مخفضا قدرته الطبيعية على إزالة الخلايا السرطانية والتخلص منها) أو ينبه انقسام الخلية مباشرة. ومع إمكان طرح مثل هذه التفسيرات المتعددة توصلنا إلى أن حصر أسباب سرطان الجلد لن يكون أمرا سهلا.

كيف تسبب أشعة الشمس طفرة دائمة:

تستطيع الأشعة فوق البنفسجية أن تكسر الروابط الكيميائية في قواعد الپيريميدين المتجاورة، وغالبا ما يحدث ذلك عند نقطة على شريط الدنا حيث توجد قاعدتا سيتوزين (c). عندئذ تتكون روابط جديدة (الأحمر) تربط القواعد التي دبت فيها الفوضى وذلك على هيئة ما يسمى المثنوي الپيريميدين pyrimidine dimer.
يقتضي التنسخ (التكرر) أن تفصل الخلية شرائط (خيوط) الدنا المزدوجة paired DNA strands (الأخضر والأزرق)، ويُستعمَل كل منهما كنموذج أو طبعة لبناء شريط جديد (الأرجواني) بقرن الگوانين (G) بالسيتوزين (C) والأدنين (A) بالثيمين (T). ويُنتِج الشريط الذي لم يتأثر بضوء الشمس دنا سويا (في اليسار)، ولكن الشريط الذي يحوي مثنوي الپيريميدين يقرن السيتوزينات المبعثرة بالأدينينات بدلا من قرنها على الوجه الصحيح بالگوانينات.
وباستمرار التنسخ يتكرر الخطأ؛ الأمر الذي يجعل المثنوي يقترن مرة أخرى بزوج من الأدينينات (في اليمين). وعلى الشريط المقابل (في اليسار)، تقترن هذه الأدينينات بالثيمينات محدثة طفرة جينية. وقد يتم التخلص من المثنوي في آخر الأمر بوساطة «الإصلاح بالقطع»؛ في حين تكون الطفرة من السيتوزين إلى الثيمين دائمة. وعندما توجد مثل هذه الطفرة ضمن جين ذي صلة بالسرطان فإن الخلية تصبح عرضة للخباثة (أي لأن تكون سرطانية).

لكننا كنا نسترشد بما نعرفه من أن التأثيرات الضارة لأشعة الشمس يمكن أن تَحدث قبل ظهور الأورام بسنوات عديدة. وقد ظهرت مثل هذه التأثيرات المتأخرة واضحة جدا في الدراسات التي قام بها <A. كريكر> من جامعة غرب أستراليا حينذاك، و <R. ماركس> من مجلس فكتوريا لمحاربة السرطان. فقد لاحظا مع زملائهما أن الناس الذين هاجروا من إنكلترا الغائمة إلى أستراليا المشمسة قبل بلوغهم سن الثامنة عشرة اكتسبوا المعدل الأعلى لسرطان الجلد في أستراليا. أما الذين هاجروا وهم في سن أكبر، فقد تساووا مع السكان الأصليين من حيث احتفاظهم بمعدلات خطورة منخفضة.

وقد دلت هذه النتائج على أن مرضى سرطان الجلد الأستراليين لا بد من أن يكونوا قد تعرضوا لمقادير عالية خطرة من أشعة الشمس قبل سنوات من ظهور الأورام (التي نادرا ما تحدث قبل أواسط العمر). إن الأحداث الواسعة الانتشار، مثل الكبت المناعي، لا تدوم إلا أياما قليلة فقط بعد توقف الإشعاع المؤذي؛ في حين تبقى التغيرات الجينية (التي تنتقل من أحد أجيال الخلايا إلى جيل آخر). لذا فالبحث عن التغيرات الجينية بدا بسبب ذلك طريقا واعدا لبحثنا أكثر من غيره. وعلى هذا الأساس بدأنا بالتفتيش الدقيق عن الطفرات التي يحدثها ضوء الشمس والتي ربما تكون قد حدثت في مرحلة مبكرة من العمر وقامت بتوفير الظروف الملائمة لتطورها إلى سرطان جلدي في وقت لاحق بعيد.

طفرة مرشدة :

كان ذلك البحث مثبطا للهمة؛ إذ إن الدنا DNA في الخلية البشرية يحوي 100000 جين (مورثة)، وكل جين يشمل، طبيعيا، آلاف النيوكليوتيدات (النوويدات) nucleotides (الكتل البنائية للدنا)، وبعضها فقط هو الذي يُرجَّح حملُه آثارا من الضرر الذي تُحْدِثه الشمس. وحتى لو نجحنا في تعيين الطفرات في عينات من سرطان الجلد، فكيف يمكننا التأكد من أن أشعة الشمس هي التي سببتها؟ لحسن الحظ، زَوَّدَنا باحثون آخرون بمفتاح مفيد لحل هذا اللغز وذلك باكتشافهم أن الأشعة (الإشعاعات) البائية فوق البنفسجية ultraviolet B radiations ـ المتهمة منذ زمن طويل بأنها العامل المسرطن في أشعة الشمس ـ لها بصمة (شارة) متميزة.

لقد أثبتت مجموعات من الباحثين في كل من ويسرا وفرنسا وكندا والولايات المتحدة بعد دراستهم كل شيء، بدءا من الڤيروسات  وحتى الخلايا البشرية، أن الأشعة فوق البنفسجية تسبب طفرات عند نقط على شريط الدنا المحتوي على قواعد (أسس) نيوكليوتيدية معينة. وتُعْرَف القواعد التي هي الأجزاء المتغيرة من النيوكليوتيدات بالأسماء أدنين adenine (A)، وگوانين (G) guanine وسيتوزين (C) cytosine وثيمين thymine (T). وتُحدث الأشعة فوق البنفسجيةُ الطفرات عندما تتاخم ما تسمى قاعدة پيريميدين pyrimidine base ـ سيتوزين أو ثيمين ـ قاعدةَ پيريميدين أخرى. إن ما يقرب من ثلثي الطفرات هو استبدالات للقواعد وتحويلها من قواعد سيتوزين إلى قواعد ثيمين. كما أن 10 في المئة من هذه التغييرات تحدث عند مجموعتي سيتوزين متجاورتين مع تغيرهما إلى قاعدتي ثيمين. وتُكوِّن ملامح هذه الطفرات التي تحدث بفعل الأشعة فوق البنفسجية، بصمة نوعية متميزة لأنها لا تحدث بفعل أي عوامل أخرى.

يُعتقد أن نمو ورم الجلد اللاميلاني يستلزم أن يقوم ضوء الشمس بتغيير الجين p53 في الخلايا الجلدية القاعدية أو الحرشفية (a). إن الطفرة الناتجة (b) تقضي على قدرة الخلايا المتضررة جينيا على تأخير التنسخ حتى يتم إصلاح دناها DNA. كما تمنع طفرة الجين p53 مثلَ هذه الخلايا من قتل نفسها عندما تُعطَب عطبا لا يمكن إصلاحه. فإذا حرق ضوء الشمس في وقت لاحق خلايا غير متغيرة (c)، فإن الخلايا الشديدة العطب سوف تقوم “بالانتحار الخلوي” وتحل محلها خلايا مستمدة من الجلد السليم المجاور (d). ولكن إذا حرق ضوء الشمس نسيجا قريبا من خلية طافرة الجين p53 وعاجزة عن قتل نفسها (e)، فإن نسل الخلية الطافرة قد يحل محل الخلايا المحتضرة المحترقة بفعل الشمس (f) وحينئذ يتعزز نمو الورم.

وهكذا تبلورت لدينا فكرة جيدة عن كل الطفرات المميزة التي يمكن أن تحدث بسبب التعرض لأشعة الشمس. ولكننا كنا نحتاج إلى أن نحدد بدقةٍ أيَّ جين من هذا العدد الهائل من الجينات الإنسانية هو الذي تغير وطفر لكي يحدث التأثير المسرطن. وكان أفضل ظننا أن الحل يتوقف على عدد من الجينات البشرية المعروف من قَبْل أنها مرتبطة بالسرطان.

تتوقف خطورة سرطان الجلد إلى حد بعيد على التعرض للأشعة (الإشعاعات) فوق البنفسجية الشمسية. وقد أتاحت قياسات طبقة الأوزون والغلاف السحابي بالسواتل (الأقمار الصنعية) لعلماء الظواهر الجوية أن يقدروا كمية الأشعة فوق البنفسجية الضارة بالدنا التي تصل إلى سطح الكرة الأرضية (المبينة هنا كمتوسط للشهر 7/1992). ويتضح من الشكل أن أكثر الناس عرضة لسرطان الجلد في الولايات المتحدة هم ذوو البشرة البيضاء الذين يعيشون في مناطق تتعرض للأشعة فوق البنفسجية الشديدة خلال شهور الصيف لأنهم ينتجون كميات أقل من صباغ الميلانين melanin pigment الذي يحمي الجلد الداكن اللون من أذى الأشعة فوق البنفسجية.. وتمثل الأعمدة البيانية معدلات حدوث سرطان الجلد اللاميلاني لدى البيض.

ومن بين الجينات الورمية (المكوّنة للسرطان) والجينات الكابتة للورم المعروفة وقع اختيارنا على جين كابت للورم يسمى p53 صار معروفا الآن أنه قد طفر في أكثر من نصف حالات السرطان البشرية. ولكن الشعور الذي كان يخامرنا في ذاك الوقت هو أن الجين p53 يحتمل أن يكون متورطا في كثير من حالات سرطان الجلد بسبب الصلة المثيرة للاهتمام بين سرطان الجلد اللاميلاني ومرض نادر (يسمى خلل التنسج البشروي الثؤلولي الشكل epidermodysplasia verruciformis) يؤدي إلى ظهور ما يشبه الثآليل على الجلد.

وقد كشف البحث السابق عن أن أمثال هذه النماءات تحوي دنا من الڤيروسات الحليمومية البشرية human papillomavirus، وأنه إذا وُجدت هذه النماءات على الجلد المعرض للشمس فإنها قد تتطور إلى سرطان الخلايا القاعدية أو السرطان الحرشفي. وفيما بعد أثبت  <M .P. هولي> وزملاؤه (من المعهد الوطني للسرطان) أن أحد البروتينات التي يصنعها الڤيروس الحليمومي تعطل البروتين p53 (فالجينات تؤدي إلى تكوين البروتينات، وكما هو متوقع فإن البروتين p53 ناتج من الجين p53). وهكذا فإن جميع الدلالات كانت تشير إلى احتمال قيام الجين p53 بدور خاص في سرطان الجلد اللاميلاني، ولكننا كنا في حاجة إلى برهان قوي وأكيد.

ولكي نصل إلى هذا البرهان، درسنا السرطانات الحرشفية وهي الأورام التي لا شك في صلتها بأشعة الشمس (فهي تحدث على الوجه واليدين، وعلى نحو خاص بين البيض الذين يعيشون في المناطق الاستوائية). وبالتعاون مع  < J. بونتن> (في مستشفى جامعة أبسالا بالسويد) اكتشفنا أن أكثر من 90 في المئة من السرطانات الحرشفية في عينات تم جمعها في الولايات المتحدة فيها طفرة في مكان ما في الجين p53 الكابت للورم. وقد حدثت هذه الطفرات في مواقع تتجاور فيها قواعد الپيريميدين. كما وجد فيها التغير النمطي المميز من سيتوزين إلى ثيمين، وهو المرتبط بالتعرض للأشعة فوق البنفسجية. وفي وقت لاحق استطاعت مجموعتنا البحثية مع مجموعات أخرى عديدة أن تعين بدقة الطفرات p53 المرتبطة بأشعة الشمس في سرطانات الخلايا القاعدية كذلك. (يبدو أن الميلانوم لا يكون مصحوبا بتغيرات في الجين p53. ومازال العلماء يبحثون عن الجينات التي تتأثر بأشعة الشمس في الخلايا الميلانية). وقد وجدت  <A. زيگلر> بعد فحصها عينات في مختبرنا أن الجلد في مرحلة ما قبل التسرطن precancerous يحتوي أيضا على الطفرات p53؛ مما يدل على أن التغيرات الجينية تحدث قبل ظهور الأورام بوقت طويل. ولكن هل كانت هذه الطفرات حقا هي سبب سرطان الجلد اللاميلاني، أو كانت مجرد دليل على التعرض لأشعة الشمس في حياة المرء ولا علاقة لها بالسرطان؟

لقد أمكننا استبعاد الاحتمال الأخير بوساطة الطريقة الخاصة التي تم بها تغيير الكود الجيني genetic code. فالنيوكليوتيدات تنتظم في الجينات على هيئة تجمعات واضحة التحديد، وهي مجموعات من ثلاث قواعد تعيِّن الحموض (الأحماضَ) الأمينية المختلفة. ويحدد نمطُ التجمع في الجين تسلسلَ الحموض الأمينية التي يرتبط بعضها ببعض لإنشاء البروتين. ولكن تجمعات مختلفة قد تُعيِّن أحيانا الحمض الأميني نفسه، كما لو أن اسم الحمض الأميني قابل للرسم بواحدة من عدة طرق. وعلى نحو نموذجي فإن الحمض الأميني لا يتغير عندما تكون القاعدتان الأوليان في المجموعة ثابتتين مع اختلاف القاعدة الثالثة فقط. وعلى ذلك، إذا كانت الطفرات p53 الموجودة في سرطان الجلد مجرد أثر عشوائي للتعرض للشمس فإن المرء ينبغي أن يتوقع وجود هذه التغيرات في الموضع الثالث بالمعدل ذاته الذي يحدث في الموضعين الأول أو الثاني. وهذا يعني وجود أمثلة كثيرة من طفرات المجموعات (حدوث إبدال في القاعدة النيوكليوتيدية) من دون تغير الحمض الأميني المقابل. ومع ذلك كشفت الدراسات على هذا الجين في سرطانات الجلد من جميع أنحاء العالم، بشكل ثابت ودائم عن وجود طفرات عدلت حمضًا أمينيا واحدا أو أكثر في البروتين p53. وعلى هذا فالتغيرات الجينية التي تُفْضي إلى الجينات p53، ليست مجرد أثر جانبي للتعرض للأشعة فوق البنفسجية ولكنها في الحقيقة سبب في هذه السرطانات الجلدية.

ولكي ندرك بشكل أفضل كيف تَأَثَّر الجين p53 في سرطان الجلد اللاميلاني فإننا بحثنا فيما إذا كانت أجزاء معينة من هذا الجين عرضة بصفة خاصة لطفرة قواعد الپيريميدين المتجاورة بوساطة ضوء الشمس (أي من سيتوزين إلى ثيمين). وقد اكتشف علماء البيولوجيا ما يسمى النقط الساخنة للطفرة (وهي أماكن على شريط الدنا تميل الطفرات إلى أن تَحدث فيها غالبا) عندما يعرضون الخلايا الحية للمسرطنات. وقد حددنا بعد تحليل أورام كثيرة أن الجين p53 في سرطان الجلد اللاميلاني يحوي تسع نقاط ساخنة. أما في السرطانات التي لا صلة لها بضوء الشمس (مثل سرطان القولون أو المثانة) فإن خمس مجموعات من الجين p53 تتعرض في الغالب للطفرة؛ ثلاث منها هي من النقط الساخنة في سرطانات الجلد. وعند النقطتين الساخنتين الموجودتين فقط في السرطانات الأخرى فإن السيتوزين الطافر يحاط من أحد جانبيه بقاعدة گوانين أو أدنين ولا يحاط أبدا بقاعدة ثيمين أو قاعدة سيتوزين أخرى. وبسبب الافتقار إلى وجود زوج من قواعد الپيريميدين، فإن المواقع المقابلة على دنا الخلايا الجلدية تكون محمية من الطفرة التي تسببها الأشعة فوق البنفسجية.

ولكن لماذا تعمل مواقع قليلة فقط من بين مئات الأماكن على الجين p53 التي تتجاور فيها الپيريميدينات كنقاط ساخنة عندما تتعرض الخلايا لضوء الشمس؟ إن عددا من الباحثين ساعد مؤخرا في الإجابة عن هذا السؤال تسمى الاصلاح بالقطع repair excision وفيها تقوم الخلايا اساسا بقص القواعد الممزقة وإحلال اخرى سليمة محلها. وقد اثبت <S. كونالا> في أثناء عمله في مختبرنا عام 1992 أن الخلايا تُصلِحُ الضرر ببطء شديد في بعض الأزواج (الأشفاع) الپيريميدينية. كما اكتشف فيما بعد <P .G. فيفر> وزملاؤه (في معهد بكمان للأبحاث في كاليفورنيا)، أن الخلايا تُصلح المواقع p53 الطافرة في سرطان الجلد اللاميلاني ببطء أشد مما تفعله في مواقع أخرى كثيرة في الجين. إذًا، يبدو أنه من المحتمل جدا أن النقط الساخنة التي وجدناها فيما يتعلق بسرطان الجلد تدين بوجودها لعجز خلايا الجلد عن إصلاح هذه المواقع بكفاءة.

توارد ووفيات السرطان في الولايات المتحدة:

لقد قدر ان 1334100 حالة جيدة من السرطان الغازي قد سخصت في عام 2003 في الولايات المتحدة. بالاضافة الى ذلك يتنبأ بأن تكون هناك أكر منمليون حالة من الكارسينوما قاعدية وشائكة الخلايا في الجلد 37700 حالة من الميلانوما الموضعة 55700 حالة من الكرسينوما الموضعة في الثدي. وأكثر من ذلك يقدر بأن 556500 سخصاً سوف يموتون بسبب السرطان في الولايات المتحدة في نفس العام.

ان اشيع اسباب الوفاة بالسرطان في الرجال هو سرطان الرئة والقصبات، البروستات، الكولون والمستقيم. اما في النساء فإن السرطانات الاشيع هي سرطان الرئة والقصبات، الثدي، الكولون والمستقيم.

نزعة توارد ووفيات السرطان:

لقد شكلت وفيات السرطان 23 % من جميع الوفيات في الولايات المتحدة 2000 ولم تسبقها الا الامراض القلبية التي شكلت 6.29 % من الوفيات الاجمالية.

ومع زيادة فترة الحياة المتوقعة للجنس البشري نظرا لتراجع الاسباب الاخرى للوفيات مل الأخماج والامراض القلبية الوعائية فان السرطان يصبح السبب الاساس للوفاة.

ويشكل السرطان السبب الأول للوفاة في النساء اللواتي تترواح اعمارهن بين 40 و 79 عاما والرجال الذين تبلغ اعمارهم 60 و 79 عاماً. لقد ازداد توارد السرطان بمقدار 3.0 % في السنة بالنسبة للنساء خلال الفترة الممتدة بين 1987 و 1999 ولكنة استقر في الرجال بين عامي 1995 و 1999. ومن المثير للاهتمام ان معدلات سرطان البروستات قد ازدادت بشكل كبير بين عامي 1988 و1992 وانخفضت بين 1992 و 1995 . ويعتقد ان هذه النزعة تعكس الاستخدام الواسع للمسح بواسطة المستضد البروستاتي النوعي (psa) مما ادى الى تشخيص اكبر لسرطان البروستات.

وبين عامي 1992 و 1999 انخفضت معدلات الوفاة بسبب السرطان بمقدار 5.1 % سنويا في الذكور و 6.0 % سنويا في الاناث لجميع انواع السرطان معاً. وفي الواقع فإن معدلات البقيا لخمس سنوات بين عامي 1974 و 1998 قد تحسنت في جميع انواع السرطان.

أما الى اي درجة يعكس هذا التحسن تحسنا حقيقيا في معالجة السرطان والى أي درجة يعكس ببساطة تشخيص هذه الحالات في وقت ابكر في جميع مراحلها، فإن ذلك ليس معروفاً بعد.